
barasy – خاص
في لحظة مفصلية من العمل للاصلاح القضائي في تاريخ العدالة السورية، جاءت زيارة وزير العدل الدكتور مظهر الويس لنقابة المحامين لتثير تساؤلات تتجاوز المجاملات البروتوكولية. فاللقاء، الذي جمع رأس السلطة القضائية التنفيذية بممثل الجسم الحقوقي الأوسع، وبأكبر شريحة من المحامين لم يكن مجرد مناسبة للتأكيد على الشراكة، بل حمل في طياته إشارات سياسية وتنظيمية تعكس تحولات أعمق في بنية العدالة السورية.
أولًا: السياق السياسي والتنظيمي للزيارة
تأتي هذه الزيارة بعد قرار الأمانة العامة للشؤون السياسية بحل مجلس نقابة المحامين المركزية وتشكيل مجلس مؤقت برئاسة المحامي محمد علي الطويل. هذا القرار، الذي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية، يُقرأ على أنه محاولة لإعادة ضبط إيقاع النقابة بما يتماشى مع توجهات الدولة في مرحلة “التعافي المبكر” التي أعلن الوزير عن اكتمالها.
الزيارة، إذًا، ليست فقط لقاءً تشاوريًا، بل جزء من عملية إعادة هندسة العلاقة بين وزارة العدل ونقابة المحامين، في ظل سعي الحكومة إلى بسط سيطرة تنظيمية على المؤسسات المهنية، وتوجيهها نحو أجندة إصلاحية محددة.
ثانيًا: دلالات خطاب الوزير
في خطابه، أكد الوزير أن القضاء السوري يمر بمرحلة انتقالية من “التطهير” إلى “التطوير”، مشيرًا إلى أن الفساد السياسي والمالي الذي كان ينخر في جسد العدالة بدأ بالتراجع. هذا التصريح يحمل دلالتين:
– اعتراف ضمني بعمق الأزمة السابقة: وهو أمر نادر في الخطاب الرسمي، ويعكس إدراكًا بأن إصلاح القضاء لا يمكن أن يتم دون مواجهة إرث الفساد.
– تحديد مسار المرحلة المقبلة: حيث يُراد للعدالة أن تكون أكثر سرعة وشفافية، مع التركيز على أتمتة الإجراءات وتحديث البنية التحتية القضائية.
ثالثًا: موقع نقابة المحامين في مشروع الإصلاح
الوزير وصف المحامين بأنهم “شركاء لا خصوم”، وهو تعبير يحمل في طياته محاولة لاحتواء النقابة بعد سنوات من التوترات. لكن هذه الشراكة تبدو مشروطة:
– بالتزام النقابة بأجندة الدولة الإصلاحية.
– بإعادة هيكلة داخلية تضمن انسجام القيادة النقابية مع التوجهات الرسمية.
وهنا يبرز دور المجلس المؤقت، الذي يُفترض أن يكون أكثر قابلية للتنسيق مع وزارة العدل، بعيدًا عن التجاذبات السياسية التي كانت تطبع العلاقة سابقًا.
رابعًا: التحديات العملية المطروحة
خلال اللقاء، طرح المحامون جملة من المطالب، أبرزها:
– معالجة النقص في الكوادر القضائية.
– تسريع إجراءات التقاضي.
– ترميم المحاكم المتضررة.
– أتمتة السجلات القضائية.
هذه المطالب، وإن كانت تقنية في ظاهرها، تعكس أزمة ثقة بين المحامين والمؤسسة القضائية، حيث يشعر كثيرون أن العدالة لا تُنجز إلا ببطء، وأن البيروقراطية تعيق حقوق المتقاضين.
هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم إعادة تموضع؟
زيارة وزير العدل لنقابة المحامين تحمل في ظاهرها نوايا إصلاحية، لكنها في عمقها تعكس محاولة لإعادة تموضع النقابة ضمن منظومة العدالة الرسمية. السؤال الأهم يبقى: هل ستُمنح النقابة استقلالًا حقيقيًا لتكون شريكًا نقديًا في الإصلاح؟ أم أن الشراكة ستكون شكلية، تُستخدم لتجميل صورة العدالة دون تغيير جوهري في بنيتها؟
المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الزيارة بداية لعدالة أكثر استقلالًا وشفافية، أم مجرد خطوة في مسار مركزي لإعادة ضبط المؤسسات المهنية ضمن الإطار السياسي العام.

