
خاص – barasy
في ظل الجدل المستمر حول عقود الإيجار القديمة وآثارها الاجتماعية والاقتصادية، يأتي القانون المصري الجديد رقم 164 لسنة 2025 ليعيد تشكيل العلاقة بين المؤجر والمستأجر على أسس أكثر عدالة وواقعية. ويُنظر إلى هذا القانون باعتباره خطوة تشريعية تهدف إلى تحقيق التوازن بين حقوق الطرفين، من خلال إعادة تنظيم العقود القديمة، وتحديد مدد زمنية واضحة لإنهائها، وتحديث القيمة الإيجارية بما يتناسب مع طبيعة المناطق ومستوى الخدمات.
وفي هذا السياق، علّق الدكتور طارق خضر، أستاذ القانون والمحامي بالنقض، قائلاً:
“القانون رقم 164 لسنة 2025 لا يُعد مجرد تعديل تشريعي، بل هو استجابة مباشرة لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في نوفمبر 2024، والذي طالب بإعادة تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر بما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات”.
المقال التالي يقدّم قراءة تحليلية لفلسفة القانون الجديد، ويستعرض أبرز بنوده، وتأثيره المحتمل على سوق العقارات، وعلى مستقبل العلاقة التعاقدية بين الملاك والمستأجرين في مصر.
—
⚖ إعادة التوازن بعد عقود من الاختلال
لأكثر من نصف قرن، عاش كثير من الملاك تحت وطأة عقود إيجار لا تنتهي، بقيم إيجارية رمزية لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي، بينما تمسك المستأجرون بحقوق مكتسبة بحكم القانون، دون النظر إلى تغير الظروف. القانون الجديد يعترف بهذه المعادلة المختلة، ويمنح فترة انتقالية مدروسة (سبع سنوات للسكن، وخمس لغير السكن)، تتيح للمستأجرين التكيف، وللملاك استعادة حقوقهم تدريجيًا.
—
💡 فهم جديد للملكية والاستخدام
القانون لا يهدف إلى الإخلاء الفوري، بل إلى ترشيد استخدام العقارات. فالمستأجر الذي يترك الوحدة مغلقة لأكثر من عام، أو يمتلك وحدة بديلة صالحة للاستخدام، يُطلب منه الإخلاء. هذا ليس طردًا، بل تنظيمًا، يضمن أن تُستخدم العقارات فعليًا، لا أن تبقى مجمدة خارج السوق.
—
🏘 الدولة كطرف ثالث في الحل
من أبرز ما جاء في القانون، منح المستأجرين أولوية في الحصول على وحدات بديلة من الدولة، سواء بالإيجار أو التمليك، بشرط تقديم إقرار بالإخلاء. هذه الصيغة تجمع بين العدالة الاجتماعية والواقعية الاقتصادية، وتُظهر أن الدولة لا تتخلى عن مسؤوليتها في توفير السكن، بل تعيد توجيه الدعم لمن يستحقه.
—
📈 القيمة الإيجارية: من الجمود إلى التدرج
رفع القيمة الإيجارية تدريجيًا، وربطها بتصنيف المناطق، مع زيادات سنوية بنسبة 15٪، يعكس فهمًا اقتصاديًا دقيقًا. فالسوق لا يُدار بالقرارات الفورية، بل بالتدرج الذي يراعي دخل المستأجر وعائد المالك.
—
🧭 نحو سوق عقاري أكثر شفافية
هذا القانون لا يُنهي فقط أزمة العقود القديمة، بل يفتح الباب أمام سوق عقاري أكثر شفافية، يُشجع الاستثمار، ويُقلل النزاعات، ويُعيد الثقة بين المالك والمستأجر في إطار قانوني منظم.
—
في النهاية، لا يمكن النظر إلى القانون رقم 164 لسنة 2025 كأداة إدارية فقط، بل كخطوة تشريعية تعكس إرادة سياسية في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المواطن والمواطن، على أساس من العدالة والوضوح والاحترام المتبادل.

