
في خطوة مفاجئة تحمل أبعادًا قانونية وسياسية عميقة، أصدر رئيس محكمة النقض السورية، القاضي أنس منصور السليمان، قرارًا بوقف العمل الفوري بالقرار رقم 112 لعام 2025، والذي كان يقضي بتكليف غرفة قضائية للنظر في الطعون المقدّمة على قرارات قاضي التحقيق في الدعاوى المحركة بحق عدد من القضاة الذين عملوا في محكمة الإرهاب. هذه الخطوة، وإن بدت إجرائية في ظاهرها، إلا أنها تعكس تحولات حساسة في بنية العدالة السورية، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل القضاء في مرحلة ما بعد “العدالة الاستثنائية”.
مراجعة مؤسسية للعدالة الاستثنائية
القرار 112 كان يُنظر إليه على أنه محاولة لتقنين آلية مساءلة القضاة المرتبطين بمحكمة الإرهاب، وهي المحكمة التي طالما وُصفت بأنها أداة قمع قانوني استخدمت لتصفية الخصوم السياسيين والمعارضين. وقف العمل بهذا القرار يشير إلى مراجعة مؤسسية جادة لشرعية الإجراءات القضائية السابقة، واعتراف ضمني بأن تشكيل الغرفة القضائية أو اختصاصها لم يكن سليمًا من الناحية القانونية أو الأخلاقية.
استقلال القضاء ومساءلة القضاة
في بيانه، شدد رئيس محكمة النقض على أن حصانة القضاة لا تعني الإفلات من المحاسبة، خصوصًا إذا ثبت تورطهم في ممارسات تندرج ضمن قمع الشعب السوري تحت مظلة القضاء. هذه الرسالة تحمل دلالات قوية على أن المؤسسة القضائية بدأت تتبنى خطابًا جديدًا، يرفض التغطية على الانتهاكات ويعيد الاعتبار لمبدأ المحاسبة الداخلية، بما يعزز ثقة المواطنين في منظومة العدالة.
استجابة لضغوط قانونية ومجتمعية
القرار جاء بعد متابعة دقيقة للملاحظات والاعتراضات الواردة من جهات قانونية وشخصيات حقوقية، ما يعكس حساسية القضاء تجاه الرأي القانوني العام، وانفتاحه على النقد الداخلي والخارجي. هذه الاستجابة تمثل تحولًا في نمط الحوكمة القضائية، من الانغلاق إلى التفاعل، ومن التسلط إلى الإصلاح.
إعادة تشكيل الغرفة القضائية
تقرر إجراء مشاورات لتكليف هيئة قضائية جديدة للنظر في الطعون، وهو ما يدل على رغبة حقيقية في ضمان حيادية وعدالة الإجراءات، وإبعاد أي شبهة تواطؤ أو تضارب مصالح كانت تحيط بالغرفة السابقة. هذه الخطوة قد تكون بداية لتأسيس تقاليد قضائية أكثر شفافية واستقلالًا.
هل نحن أمام تفكيك إرث محكمة الإرهاب؟
القرار لا يُقرأ بمعزل عن السياق الأوسع لإصلاح القضاء السوري، الذي بدأ يشهد تحركات متسارعة منذ إعلان وزير العدل عن انتهاء مرحلة “التعافي المبكر” وبداية “مرحلة التطوير”. وقف العمل بالقرار 112 قد يكون أول لبنة في تفكيك إرث محكمة الإرهاب، وإعادة بناء العدالة على أسس قانونية ومجتمعية سليمة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستُستكمل هذه الخطوات بإجراءات أكثر جرأة، مثل مراجعة الأحكام الصادرة عن محكمة الإرهاب، وتعويض ضحاياها، ومساءلة من تورطوا في استخدامها كأداة قمع؟ أم أن القرار سيبقى مجرد خطوة رمزية في مسار إصلاحي محدود؟
خاتمة
في كل الأحوال، قرار رئيس محكمة النقض بوقف العمل بالقرار 112 يمثل لحظة فارقة في مسار العدالة السورية. لحظة قد تؤسس لعدالة أكثر استقلالًا، أو تُختزل في إجراء إداري عابر. وحدها الإرادة السياسية، والمجتمعية، والقضائية، ستحدد ما إذا كانت هذه اللحظة بداية جديدة أم مجرد استثناء مؤقت.

