
في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، وأثقلته أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، يطل علينا ملف تزوير الشهادات الجامعية كواحد من أخطر أشكال الفساد، وأكثرها فتكًا بمستقبل الأجيال. ما أعلنته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخرًا عن كشف شبكة تزوير شهادات في إحدى الجامعات الخاصة، ليس مجرد خبر عابر، بل زلزال أخلاقي وقانوني يستدعي وقفة وطنية جادة.
الوزير مروان الحلبي، وفي تصريح رسمي، أكد أن هذه القضية تعود إلى عهد النظام البائد، حيث تم التلاعب بالأوراق الامتحانية ومنح شهادات مزيفة مقابل مبالغ مالية ضخمة، وبمشاركة متنفذين وتجار مخدرات. وقد أحيل الملف إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، التي باشرت بالحجز الاحتياطي على أموال المتورطين، وإحالة القضية إلى القضاء المختص.
🎯 ما وراء الخبر: مقاصد ودلالات
هذه القضية تكشف عن منظومة فساد ممنهجة كانت تعبث بأقدس ما تملكه الدولة: التعليم. فالشهادة الجامعية ليست مجرد ورقة، بل هي تعبير عن كفاءة، وجهد، واستحقاق. وعندما تُمنح زورًا، فإنها لا تسرق فقط حق الطالب المجتهد، بل تُهدد المجتمع بأكمله، عبر إنتاج طبقة من “الخرّيجين الوهميين” الذين يتسللون إلى مفاصل الدولة دون كفاءة أو ضمير.
إن تورط تجار مخدرات في هذه القضية يفضح حجم التداخل بين الفساد الأكاديمي والفساد المالي والأمني، ويؤكد أن المعركة ضد الفساد يجب أن تكون شاملة، لا انتقائية. فالتعليم لا يمكن أن يُحمى إلا إذا حُوصرت كل شبكات الفساد التي تتغذى عليه.
⚖ العدالة الأكاديمية ليست ترفًا
في بلد يسعى للنهوض من تحت الركام، لا يمكن بناء مستقبل دون تعليم نزيه. العدالة الأكاديمية هي حجر الأساس لأي نهضة حقيقية، وهي الضمانة الوحيدة لخلق جيل قادر على قيادة التحول الوطني. لذلك، فإن ما حدث لا يجب أن يُعالج كقضية فردية، بل كملف وطني يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة التعليم، خاصة في الجامعات الخاصة التي باتت، في بعض الحالات، بوابات للنفوذ لا للعلم.
🛡 المطلوب الآن
– نشر نتائج التحقيقات بشفافية للرأي العام.
– محاسبة كل من تورط أو تستر، مهما كانت صفته أو موقعه.
– إعادة النظر في آليات الترخيص والرقابة على الجامعات الخاصة.
– إطلاق حملة وطنية لاستعادة هيبة الشهادة الجامعية، وتحصينها من التلاعب.
إن تزوير الشهادات ليس مجرد خرق قانوني، بل خيانة وطنية. خيانة لكل طالب اجتهد وسهر الليالي، ولكل أستاذ أفنى عمره في التعليم، ولكل مواطن يحلم بوطن تُحترم فيه الكفاءة ويُكرّم فيه العلم. ولعل هذا الكشف يكون بداية لمسار جديد، تُستعاد فيه هيبة التعليم، وتُحمى فيه المعرفة من الزيف والتزوير.

