
في خضم التحولات العاصفة التي شهدتها منطقتنا، برزت الثورة كفكرة لا كحدث، كمسار لا كصرخة، وكقيمة لا كشعار. وبين من عاش تحت حمم القصف والبراميل، ومن تقلب في نعيم الولاء أو صمت الحياد، نشأت فجوة وجدانية لا يمكن ردمها بسهولة. إنها ليست مجرد اختلاف في التجربة، بل في الوعي، في الثمن المدفوع، وفي العلاقة مع الكرامة.
من ذاق مرارة الحصار والخوف، من دفن أحبّاءه تحت الركام، من حمل جراحه ومضى في درب الكرامة، لا يشبه من استراح على هامش المأساة ثم عاد اليوم ليتزين بعبارات الثورة، وكأنها زينة موسمية تُستعار عند الحاجة. الثورة ليست وسيلة لتلميع الماضي، ولا منصة لتبديل عبودية بعبودية. إنها اختبار دائم للضمير، وللقدرة على الوقوف في وجه الظلم، أياً كان مصدره.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول الألم إلى معيار وحيد للانتماء. فالثورات لا تنتصر بالصفاء الثوري وحده، بل بالقدرة على بناء جبهة واسعة من المؤمنين بالحرية، حتى لو جاء بعضهم متأخرًا. المهم ليس متى انضموا، بل كيف وقفوا اليوم، وماذا اختاروا أن يكونوا في لحظة الحقيقة.
الثورة لا تنتمي لأحد، ولا تُختزل في أسماء أو شعارات. هي فكرة تتجاوز الأشخاص، وتخاصم كل من صافح الظالم أو تماهى معه، مهما كان اسمه أو موقعه. من وقف مع الحق، رُفع، ومن تواطأ أو ساوم، سقط من وجدان الثورة، لا من حساباتها السياسية فقط.
إننا اليوم أمام لحظة مراجعة، لا لحظة تصفية حساب. لحظة نعيد فيها تعريف الانتماء للثورة: ليس بالادعاء، بل بالفعل؛ ليس بالشعارات، بل بالمواقف؛ ليس بالذكريات، بل بالوعي المستمر. الثورة ليست لحظة غضب، بل مسار وعي، ومن لم يدفع ثمن كرامته، أو لا يزال يساوم بها، لن ينتمي إليها مهما تزيّن بألف عبارة.

